الراغب الأصفهاني
160
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ورابعها : الانهماك في الباطل وهو أن يستحسنه فيحبه ، ويحسّنه ويحببه ( إلى غيره ) فيورثه ذلك ختما على قلبه ، وأقفالا عليه ، كما قال تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ « 1 » وقال : أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 2 » . فالكسل سبب الغباوة ، والغباوة سبب الوقاحة ، والوقاحة سبب الانهماك في الباطل ، كما أن الزيغ يوجب الرين ، والرين يوجب القساوة ، والقساوة ، توجب الختم والإقفال . فحق الإنسان أن يراعي نفسه في الابتداء ، ولا يترخص في ارتكاب الصغائر فيؤديه ذلك إلى ارتكاب الكبائر . كما قيل : إن الأمور دقيقها * مما يهيج به العظيم وقد قال اللّه تعالى : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ، وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ، إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ « 3 » ، فدل أن قعودهم أول مرة أدى بهم إلى أن صار محكوما عليهم أنه لا يتأتى منهم الخروج معه صلّى اللّه عليه وسلّم بوجه .
--> ( 1 ) البقرة / 7 . ( 2 ) محمد / 24 . ( 3 ) التوبة / 83 .